الديباجي: الحفاظ على الوحدة الوطنية واجب شرعي    » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (6 – 6)    » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (4 – 6)     » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (3 – 6)     » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (2 – 6)
 
مقـــالات
 
تــاريــخ : 08/09/2009
الجــريـدة : الراي
اتحاد العمل و العامل عند المحب

أضغط هنا لقراءة المقال على موقع جريدة الراي

 

حينما نطلق كلمة عامل على شخص ما يجب أن يكون هناك عمل يعمله، ولكن بعد طي المقدمات التي ذكرناها في المنازل السابقة ومع طيران النفس بجناح العقل والفناء في الله تنتفي كل التعينات وتضمحل الكثرات فلا يكون هناك حديث عن العمل والعامل كل على حدة، بل يبتدئ دور الاتحاد بين العمل والعامل، ولكن كيف يكون هذا الاتحاد؟
في مقام الاتحاد بين العمل والعامل لا يمكن الفصل بين العمل والعامل ولا يكون الحديث عن العمل بل عن العامل الذي يدل بدوره على العمل، فيكون الإنسان هو العمل الصالح، هو الخير والصلاة والصوم وهو الحج.
و يمكن توضيح مفهوم الاتحاد بين العمل والعامل في أبعاد مختلفة، ففي بُعد العبادة مثلاً نرى أن الله تبارك وتعالى يشير إلى ذلك بقوله «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً» ولم يقل «فتقبل عملها» وفي بُعد الجهاد يقول تبارك وتعالى «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى» أي أن الله جل جلاله نسب القتل والرمي لنفسه لا لرسول الله ( ص ) وأصحابه، كذلك كل الأفعال والتأثيرات منه عز وجل في مظاهر الخلق وهو الفاعل بفعل العبد، وهنا يظهر اتحاد العمل والعامل.
وقصة سيدنا إبراهيم (ع) ونار نمرود واتحاد العمل والعامل هي قضية في واقعة، فالله سبحانه وتعالى يقول:
«قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيم» فعلى الرغم أنها قضية في واقعة سيدنا إبراهيم (ع) إلا أنها قضية دائمة وأصل مستمر في كل عصر وزمان كأنما يريد الله تعالى أن يقول لعبده «عبدي إذا أصبحت إبراهيمياً أي نهجت منهج إبراهيم عليه السلام فعلي إطفاء النار ».
كيف صار سيدنا إبراهيم (ع) إبراهيمياً يُقتدى به؟ ولم أكثر أئمتنا (ع) الحديث عن سيدنا إبراهيم (ع) وسيرته؟ لأنه لم يستند في أصل التوحيد على البرهان والمنطق والاستدلال، بل بنى توحيده لله سبحانه وتعالى على الحب الخالص له: «فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ» فأساس الوصول إلى اتحاد العمل والعامل والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى هو الحب كما كان عليه سيدنا إبراهيم (ع).
و روي عن الإمام الصادق(ع) في تفسير الآية الكريمة «إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» أي سليم من حب الدنيا وفي رواية أخرى من يلقى ربه وليس في قلبه أحد سواه، وهذا ما عاش عليه سيدنا إبراهيم وعليه مات «إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» فكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط، ولذا لا تجد الذخائر والدفائن إلا في العرفانيات وعند العارفين الذين تركوا الدنيا وتحرروا من قيودها وتعلقت قلوبهم بحب الله وحده، ولا تكشف الأسرار إلا لأصحاب السر الذين وصلوا إلى مقام اتحاد العمل مع العامل الذي لا يرى فيه الغيار لأنفسهم مكاناً ولا مقاماً.
يقول العرفاء إذا أراد السالك إلى الله الوصول إلى مقام اتحاد العمل بالعامل فهو بحاجة إلى جناحين هما النفر الثقافي (العلمي)، والنفر الجهادي.
الجناح الأول: النفر الثقافي (العالمي):
يقول الله تبارك وتعالى «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ».
وكلمة التفقه في هذه الآية وإن كانت تعني أن يسافر الإنسان إلى بلد ما أو يدخل مدرسة علمية دينية ليتفهم المعارف الدينية من أصول وفروع ثم يرجع إلى وطنه عالماً فقيهاً يبين للناس الأحكام الفقهية والمعارف الإسلامية من الخطابة والحديث والموعظة، إلا أن هذا الهدف هدف متوسط من التفقه، ولقد صرح بعض العلماء بأن كلمة الفقه كانت تطلق في الأزمنة السالفة على علم طريق الآخرة ومعرفة النفس وفهم دقائق آفاتها ومكائدها وأمراضها وتسويلاتها الشيطانية والإعراض عن لذات الدنيا وأغراض النفس والهوى والاشتياق إلى نعيم الآخرة ولقاء الله تعالى والخوف من يوم الحساب.
و السيد العلامة الطباطبائي حينما كان يقال له فلاناً سافر وتعلم وأصبح عالماً فقيهاً ورجع إلى قومه يبين لهم ما تعلم من الأحكام الفقهية يقول «هذا هدف متوسط من التفقه والهدف الحقيقي والغائي غير ذلك» إذا فما هو الهدف الحقيقي من التفقه؟
الهدف الحقيقي هو «وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ» أي يرجعوا إلى قومهم لينذروهم، ومقام الإنذار ليس مقاما بسيطاً أو عادياً، ولا يصل إليه إلا من وصل إلى مقام الخوف الحقيقي من الله سبحانه وتعالى فيخاف هو أولاً حتى يقدر أن ينذر الآخرين ويخوفهم، وقد يعتقد الكثيرون منا أنه يخاف الله ويعطي نفسه الترخيص في الإنذار، ولكن في الواقع لم يعرف معنى الخوف الحقيقي من الله سبحانه وتعالى ولم يشعر به حتى ينذر الآخرين.
حينما يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز «قُمْ فَأَنذِرْ» من هو الخاطب المأمور بالإنذار في هذه الآية؟ هو رسول الله (ص)، يقول الشيخ المفيد (رض) أن رسول الله (ص) كان حينما يتكلم عن الجحيم والنار ومواقف يوم الآخرة يحمر وجهه تارة ويصفر أخرى وترتعد فرائصه وكأنه قائد جيش مهزوم قد حوصر من قِبل أعدائه لا يملك لنفسه حيلة التصرف والتدبير.
فلولا حالات رسول الله (ص) التي كانت تعتريه من شدة خوفه من الله عز وجل وارتعاد فرائصه حينما يتكلم عن يوم القيامة وعذاب الآخرة والجحيم لما نال مقام الإنذار العظيم.
كان هذا حال نبينا (ص) وهو يعلم رفيع مقامه عند الله عز وجل وعزة شأنه لديه فكيف بنا حينما نقرأ القرآن الكريم ونمر على آيات العذاب والآخرة؟! هل كان لتلك الآيات أثر في قلوبنا ونفوسنا أم كأنها لم تكن شيئاً مذكوراً؟ فلولا النفر العلمي والخوف الحقيقي من الله عز وجل فلا سبيل للاتحاد بيننا وبين أعمالنا.
أيها السالك إلى الله إذا وصلت إلى مقام الخوف الحقيقي من الله تبارك وتعالى هنالك تعرف حقيقة عبارة الإمام زين العابدين (ع) في دعائه حيث يقول «إلهي لا تؤذني بعقوبتك»، وحقيقة العقوبة الخفية بقوله «و لا تمكر بي في حيلتك ».
الجناح الثاني: النفر الجهادي:
يبين المرحوم الشيخ كاشف الغطاء (رض) أفضلية الجهاد على الصلاة بقوله إن الصلاة عمود الدين والجهاد فسطاطه وما الحاجة إلى العمود لولا الفسطاط؟ والسالك إلى الله يمكنه بالجناح الثاني النفر الجهادي أن يصل إلى مقام اتحاد العمل بالعامل.
وجهاد النفس ومحاربة هواها وميولاتها أعظم من جهاد العدو الخارجي، فعن الإمام علي (ع) أن رسول الله (ص) بعث سرية فلما رجعوا قال (ص) «مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر ».
قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال (ص) «أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه».
فالنفس أقرب الأعداء إلى الإنسان وأشدها عداوة له لأنها جامعة للصفات المذمومة ميالة إلى اللعب واللهو مذعنة للملذات والشهوات مبعدة الإنسان عن الله عز وجل، ويقول العارف الكبير بابا طاهر العريان «إنما صارت النفس عدوا للإنسان لأنها تميل إلى الأخلاق الربوبية كالكبر والتعظيم وطلب المدح والتعبد وغيرها ».
فكما أن الجهاد الأصغر هو قتال العدو الظاهري بالسلاح الظاهري كذلك جهاد النفس الباطني، ونيل وسام «القتل في سبيل الله» يشمل الحالتين وإن كانت الثانية أعلى مرتبة ومقاماً، وقد ذكر في القرآن الكريم كلمة الجهاد في كلتا الحالتين كما في قوله تبارك وتعالى: «انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ» و قوله: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا».
آفة مقام اتحاد العمل والعامل هي الجهل، فالإنسان بهذه الآفة إما أن يكون جاهلاً أو متجاهلاً، والمتجاهل من يدعي عدم العلم بالشيء مع الإرادة كمن يتجاهل أحكام الله سبحانه وتعالى ومحرماته فيذنب وينحرف وهنا يكون محل العقوبة.
ومثل ذنب المتجاهل في أحكام الله كمثل المريض الذي يتجاهل مرضه ولا يراجع الطبيب ويخدع نفسه ويقول أنا لست بمريض، فهل يكون في هذه الحالة أمل في الشفاء؟ بالطبع لا.
أيها السالك إلى الله كل إنسان معرض لخطر هذه الآفة العظيمة، فإذا غفل يوماً عن المعارف والعلوم الإلهية والحالات الروحانية أو تجاهلها ولم يعتن بشأنها فانقطع عنها، هنالك يهجم عليه الشيطان بسلاح خداع النفس بأنه ليس مريضا ويحرمه من خيرات المعارف الإلهية وسعادتها، وعلى هذا لابد من مراجعة طبيب الروح والنفس للوقاية من هذه الآفة ومعالجتها.
إلهنا نعترف بذنوبنا وأمراضنا وجهلنا وتجاهلنا ونسألك وندعوك ألا تؤذينا بعقوبتك ولا تمكر بنا في حيلتك، واغفر لنا ذنوبنا واشفنا من أمراض قلوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com