| |
|
تــاريــخ : 01/09/2009
|
|
الجــريـدة : الراي
|
|
الإرادة عند المحب
|
|
|
كل عمل وفعل في عالم الوجود لا يتحقق إلا بالإرادة، وآراء العرفاء والمحققين حول مقام الإرادة كثيرة، وقد صنف الكثير من العرفاء والحكماء منزل الإرادة كأول منزل من منازل العارفين والسالكين إلى الله كالشيخ الرئيس أبي علي بن سينا في كتاب « الإشارات». ومن أساسيات العرفان معرفة الإرادة حتى يمكن بذلك معرفة المراد والمريد إلى غير ذلك من المشتقات والإرادة مقدمة لكل أمر، وما لم يرد العبد شيئا لم يفعله، مثلا تريد أن تأتي إلى المسجد فتأتي وتريد أن تسمع الدروس فتجلس لتسمع، وإذا لم ترد ذلك كان بإمكانك ألا تجلس ولا تسمع. والمريد في المصطلح اللغوي من مشتقات كلمة الإرادة وتعني من كانت له الإرادة، وفي بحثنا هذا المريد هو من تجرد عن إرادته وذابت إرادته في إرادة الله سبحانه وتعالى. يقول الشيخ الرئيس أبوعلي بن سينا في « الإشارات « في مقام الإرادة: هو ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني أو الساكن النفس إلى العقد الإيماني من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره إلى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد. وقد ذكر في أحوال العارفين المترتبة في سلوكهم طريق الحق من بدء حركتهم إلى نهايتها، التي هي الوصول إليه تعالى، ذكر الشيخ الرئيس مبادئ حركاتهم في قوله ان الإرادة هي أول درجاتهم المترتبة بحسب حركاتهم وهي المبدأ القريب من الحركة ومبدؤها تصور الكمال الذاتي الخاص بالمبدأ الأول، الفائضة آثاره على المستعدين من خلقه بقدر استعداداتهم والتصديق بوجوده تصديقا جازما مع سكون النفس، سواء كان يقينيا مستفادا من قياس برهاني أو كان إيمانيا مستفادا من قبول قول الأئمة الهادين إلى الله تعالى فإن لكل واحد منهما اعتقادا يقتضي تحريك صاحبه في طلب ذلك الفيض. ويقول بعض العرفاء ان حقيقة الإرادة هي نهوض القلب في طلب الرب وحركة القلب إلى الحق. ويقول بعض الأفاضل ان الإرادة هي تحريك الأسباب نحو الحق بحركة نفسانية، ويقول العارف الصمداني بابا طاهر العريان: « من أراد الحق فارق الخلق ونفسه من جملة الخلق» ويقول بعض شيوخ العرفان في معنى الإرادة انها قصد خاص في المعرفة بالله وهي أن تقوم به إرادة العلم بالله من فتوح المكاشفة لا من طريق الدلالة بالبراهين العقلية فتحصل له المعرفة بالله ذوقاً وتعليماً إلهياً فيما لا يمكن ذوقه. والمعنى الآخر للإرادة ما قاله أحد المشايخ، وهذا ما نركز عليه في بحثنا وبالذات في العرفان العملين، هو ترك ما عليه العادة، فللإنسان عادات كثيرة كونه يميل إلى العيش في المواطن المألوفة كموطن الشهوة ومـوطـن الغضب وموطـن الغفلـة وموطـن حـب المال والجاه وموطن التمني والترجي وغيرها من المواطن، فإذا دخل السالك في العرفانيات والسلوك إلى الله وتاب إليه وأصبح مخلصا فعليه أن يترك العادات» أما إذا رجع إلى عاداته بعد الدخول في هذا الطريق فقد تعرض لآفة الإرادة، وآفة الإرادة الرجوع إلى العادات. على هذا فالإرادة هي تجرد السالك المريد عما سوى الله وبذل كل طاقاته واستعداداته في سبيل المراد، وإذا أراد السالك أن يعرف إن كان قد وصل إلى هذا المقام أم لا فلينظر في نفسه هل ترك عاداته السابقة أم لا، ثم لينظر بعد ذلك ألا يكون هناك أي أثر من آثار إرادته أمام إرادة المراد، أما إذا رجع إلى عاداته فإن في ذلك خطرا عظيمافي حياته وسيره إلى الله ألا وهو السقوط عن تلك المقامات، ولذا عليه بعد التوبة والإخلاص والوصول إلى مقام الإرادة أن ينتبه ويحذر الشيطان كي لا يفتح له بابا للرجوع إلى العادات !! يقول العرفاء في بحث الإرادة ( وقد يكون كلامهم صعبا ولكن لا بأس من الإشارة إليه ) ان الإرادة هي إسقاط الإرادة « فإذا أراد الله سبحانه وتعالى بعبد خيرا أسقط عنه الإرادة وصار مريدا متفانيا في إرادة المراد وهو الله سبحانــه وتـعـالـى، وقد أوحى الله إلى داود (ع ): « يا داود !! تـريد وأريـد ولا يـكــون إلا مـا أريــد فـإن سلمت لما أريد أعطيتك ما تريد وإذا لم تسلم لما أريد أتبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد». فكل ما يريد العبد لا يتحقق وإن كان من عباد الله الصالحين إلا إذا أسقطت إرادته وذابت في إرادة المراد وهو المولى عز وجل. هذا ما يكون عليه عباد الله الصالحون وأما بالنسبة للآخرين فهناك مصاديق كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر حينما قتل فرعون ثلاثمئة ألف من أبناء بني إسرائيل الذكور يريد بذلك تغيير المقادير والإرادة الإلهية، ولكن الله أراد لموسى (ع ) البقاء وكان ما أراد !! ولابد من الإشارة إلى أن هناك فرقا بين المريد والمراد، فالمريد من سلك الطريق للوصول إلى الحق وأما المراد من فاضت عليه العناية الإلهية ابتداء، المريد متحمل والمراد محمول، المريد مبتدأ والمراد منتهى، المريد يسير والمراد يطير، وهذه عبارات عرفانية يطول شرحها ولكن بإشارة مختصرة نبين بعضها: المريد متحمل أي أن التحبب إلى المراد لجلب محبته يقتضي تحمل المصائب والمشاكل والبلايا في سبيل المراد، كما قال الإمام علي (ع) لكميل بن زياد: «يا كميل إن أحب ما أمتثله العباد إلى الله بعد الإقرار بها التعفف والتحمل والأصطبار» ثم قال(ع): «و أعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك». المريد يسير والمراد يطير، وشتان الفرق بين سير المريد وطيران المراد، لما بلغ رسول الله (ص) إلى سدرة المنتهى وانتهى إلى الحجب، قال له جبريل (ع): «تقدم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت». يقول بابا طاهر العريان في باب المريد والمراد: « الناس في هذا الأمر(الوصول) على ضربين: مريد حافظ ومراد محفوظ، فالمريد طالب مبين والمراد مطلوب مصون والمريد عمل فوجد والمراد وجد فعمل». يقول أبو المعاني (الشارح لهذه الكلمات) أن أهل الوصول إثنان: مريد ومراد، فالمريد حافظ لحاله طالب مبين أي ظاهر الطلب لأنه مطلوب باطناً، والمراد محفوظ عن المبالغات مطلوب بالموافقات مصون عن الحركات أي سبق وجده عمله واجتهاده كشفه. و يقول الخاجه عبد الله الأنصاري: « أيها العبد لا تتحقق إراداتك إلا بإرادة الله عز وجل، فاستقم في قضاء الله حتى تشعر بالراحة والأمان والاطمئنان في هذا العالم». و يقول الميرزا جواد آقا الملكي التبريزي (رض ) ان الإنسان إذا دخل في نور فضيلة من الفضائل فذلك النور يجره إلى نور آخر، أما إذا دخل في ظلمة فتلك الظلمة تجره إلى ظلمة أخرى، مثلاً إذا كان كلامك صدقاً فالصدق نور وهذا النور يكون سبباً لعمل فضيلة أخرى كالتآلف والمحبة، والتآلف والمحبة نور ويكون سببا لصلـة الأرحـام وصلـة الأرحـام نـور، وهـكـذا، فـكـل نـور يدخلك فـي نـور أخـر، أما إذا أتجهت إلـى الذنـوب والمعاصـي والعياذ بالله فـكـل معصيـة تجرك إلى معصية أخرى، فالغيبة تجرك إلى الكذب والكذب إلى البهتان والبهتان إلى التشاجر... وهكذا، وكلها ظلمات فوقها بعض فوق بعض. اللهم إنا نسألك يا سرور العارفين وأنيس المريدين أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تسلكنا سبل الوصول إليك وتسيرنا في أقرب الطرق للوفود عليك حتى ننعم بقربك ونسعد بجوارك.
|
|