الديباجي: الحفاظ على الوحدة الوطنية واجب شرعي    » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (6 – 6)    » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (4 – 6)     » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (3 – 6)     » «    جريدة الوطن : مقالات سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي عن ليلة القدر المباركة (2 – 6)
 
مقـــالات
 
تــاريــخ : 31/08/2009
الجــريـدة : الراي
التوبة عند المحب

أضغط هنا لقراءة المقال على موقع جريدة الراي

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً» وقال سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): « التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وقال الإمام علي (عليه السلام): «توبوا إلى الله عز وجل وادخلوا في محبته».
فأولى مراحل دخول المحب والسالك إلى الله في العرفانيات والأخلاقيات وفي دائرة محبة الله سبحانه وتعالى هي التوبة، فهي محبوبة عند الله لقوله عز وجل: «إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» والتوبة إلى الله بالمعنى اللغوي هي الرجوع إليه عن الذنب والمعصية رجوعا قوليا وفكريا وفعليا، والرجوع القولي هو الإدامة على ذكر صيغة الاستغفار كأن يقول المستغفر «أستغفر ربي وأتوب إليه» والرجوع الفكري هو العزم على عدم العودة إلى ارتكاب المعصية والتفكر فيه والعلم بحقيقة التوبة واليقين بوجوبها والإسراع إليها فورا ومعرفة ضرر المعصية وما تؤول إليه من سخط الخالق وغضبه، وأما الرجوع الفعلي فهو ترك ما سبق من ارتكاب المعصية في المستقبل ورفع ظلمة القلب الناشئة عن تراكم أوساخ ما سلف من الذنوب وإدراك ما مضى من المعاصي وتدارك ما فات بأنوار الطاعات والعبادات.
ووجوب التوبة عام لجميع الأشخاص ولكن كل مأمور بها حسب مقامه ومرتبته، ولكل صنف من أصناف التوبة حقيقة ومعنى لا يسعنا شرحها في هذا المنزل وسوف نتطرق إليها في المنازل المقبلة.
وأما مقامات التوبة فهي ثلاثة:
المقام الأول: الندم.
المقام الثاني: الاستغفار.
المقام الثالث: الحقيقة.
ولكل مقام آفة:
آفة الندم: طول الأمل.
آفة الاستغفار: الغفلة.
آفة الحقيقة: الشهوة.
والتوبة من الذنوب والمعاصي والندم على ارتكابها لا تكون حقيقية وجادة ما لم تكن قائمة على الأسس التالية:
أولا: العزم على ترك ما مضى من ارتكاب الذنوب والمعاصي في الحال.
ثانيا: حفظ حالة الندم.
ثالثا: العزم والجزم على عدم الرجوع إلى الذنب والمعصية في المستقبل.
رابعا: تدارك ما فات من القصور والتقصير « اتبع السيئة الحسنة تمحها».
قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام) في مقام الندم «كفى بالندم توبة» وكفاية التوبة بالندم دليل على أهمية الندم في التوبة لا انفراده دون غيره فهو على وزن قول النبي (صلى الله عليه وسلم): «الحج عرفة» أي أن ثقل الحج في الوقوف بعرفة وهو من أهم أركان الحج وليس بمعنى أنه الركن الوحيد في الحج !! وحينما يندم الإنسان من السلوك في طريق الذنوب والمعاصي والآثام لابد أن يرجع ويدخل في طريق آخر، فالرجوع علامة الندم.
و ثاني مقامات التوبة هو الاستغفار كما قال الإمام علي (عليه السلام) درجة العليين وقال (عليه السلام) أيضاً: «العجب ممن يقنط ومعه الممحاة فقيل له: وما الممحاة؟ قال: الاستغفار»، وأفضل ساعات الاستغفار الأسحار لقوله سبحانه وتعالى: «وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»، وما ورد في قصة إخوة يوسف (عليه السلام) حينما اعترفوا بذنوبهم وطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم فأخرهم إلى السَّحر لدليل على أن الدعاء والاستغفار مستجاب فيه.
وأما المقام الثالث من مقامات التوبة فهو الحقيقة «بمعنى أن الإنسان إذا علم علما يقينيا أن كل ذنب سم هالك يؤثر على قلبه وإيمانه وعقيدته، وأن ارتكاب الذنب يجعل بينه وبين الله سدا وحائلا فينام ويستغفر ويرجع إلى الله، هنالك يتبدل العلم واليقين إلى حقيقة راسخة في قلبه فلا يتفكر يوما أن يعود الإنسان إلى الذنب ثانية.
عن كميل بن زياد قال: قلت لعلي (عليه السلام) العبد يصيب الذنب فيستغفر الله منه فما حد الاستغفار؟! قال: التوبة، قلت: فقط؟! قال: لا، قلت: فكيف؟! قال: إن العبد إذا أصاب ذنبا يقول أستغفر الله بالتحريك قلت: وما التحريك؟! قال: الشفتان واللسان يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة، قلت: وما الحقيقة؟! قال: تصديق في القلب وإضمار ألا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه، قال كميل: فإذا فعل ذلك فإنه من المستغفرين؟ قال: لا، قال كميل: فكيف ذاك؟ قال: لأنك لم تبلغ إلى الأصل بعد، فقال كميل: فأصل الاستغفار ما هو؟ قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه وهي أول درجة العابدين.
أيها السالك إلى الله إذا أحببت إنسانا في هذه الدنيا وتعلم أنك إذا عملت عملا يجعل بينك وبين محبوبك حجابا وبعدا ونفورا فمن الاستحالة أن تعمله ابتغاء لرضاه وأملا في قربه وما ذلك الحب إلا حب مجازي زائل، فكيف بالمحبوب الحقيقي الدائم وهو الله سبحانه وتعالى !
إذا طلعت الشمس على مكان ما وكان ذلك المكان في ظلام حالك فما آثار طلوع الشمس عليه؟ من البديهي أن آثاره ليست إلا الضياء والنور، كذلك إذا أشرقت شمس الحقيقة واليقين والعلم على قلبك فهذا ضياء كل خير ونور وسعادة.
ومن آثار حقيقة التوبة تألم القلب على ما فات من البعد عن المحبوب والاحتجاب عنه والتأسف على ما صدر من المعاصي والذنوب، وهذا التألم هو عين الندم وحقيقته، وكما قال الفيض الكاشاني (رضي الله عنه) في كتابه الحقائق في محاسن الأخلاق: «مهما أشرق نور الإيمان على القلب أثمر نار الندم على الذنب فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس، وقد كان في ظلمة فسطع عليه النور بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك وتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث بتلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك».
حينما ينظر الإنسان إلى محبوبه المجازي فهو ينظر إلى الوجود العيني الخارجي لهذا المحبوب والمعشوق فيحترق قلبه وترتعد فرائصه، وكذلك إذا وصل السالك إلى الله إلى الحقيقة وعاشها على الدوام يحترق قلبه شوقا ولا يفكر بالرجوع إلى الذنوب والمعاصي.
وأما آفات المقامات الثلاثة في منزل التوبة فهي على التوالي:
آفة مقام الندم: طول الأمل، وقد قال الله تبارك وتعالى « ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»، والأمل خصيصة موجودة في كل طبيعة بشرية وتدعو الإنسان إلى البقاء والإبقاء على حاله، وطول الأمل هو الاعتقاد بالبقاء إلى مدة متمادية، وما لم يكن لدى الإنسان يقين بالبقاء إلى يوم أو شهر أو شهرين أو سنوات ويعتقد اعتقادا راسخا بأنه قد يموت في أي لحظة فكيف تكون له الجرأة على المعصية؟
لذا فطول الأمل آفة في طريق الندم وتعطيله، فالإنسان قلم يندم على ارتكاب الذنوب والمعاصي ولكنه لا يرجع إليها إلا لطول الأمل، فيقول مثلا أنا الآن شاب وفي مقتبل العمر والطريق أمامي طويل وسوف أتوب بعد الأربعين من عمري ! لنسمع في هذا المقام قول الإمام علي (عليه السلام) حينما سأله رجل أن يعظه فقال: « لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل ويرجو التوبة بطول الأمل».
وقال (عليه السلام) أيضا: « أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان اتباع الهوى وطول الأمل».
وعنه (عليه السلام) أيضا: «لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لأبغض الأمل وطلب الدنيا».
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لهشام بن الحكم: «يا هشام لو رأيت مسير الأجل لألهاك عن الأمل» فما علاج طول الأمل؟!
علاجه زيارة القبور وذكر الموت وقراءة القرآن، وفيها آثار كثيرة، وكثيرا ما كان يوصي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بذكر الموت فيقول: «أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات».
رضوان الله على أرواح أساتذتنا وكانت زيارة القبور ضمن برامجهم ومناهجهم، لأن النظرية والبحث دون النظر والمعاينة، وأنت حينما تدخل في المقبرة وترى قبور الوزراء والوكلاء ورجال الثورة والأغنياء وترى ما تركوه من القصور والأموال تقول هذه قصورهم وهذه قبورهم !! أولئك الذين رتبوا برامجهم من الناحية العقلية والفكرية والتخطيطية ومع تلك البيوت والقصور والثورة وتلك الارتباطات العالمية ومن ثم سافروا إلى العالم الآخر، هنالك تعرف معنى طول الأمل وآفته، أيها الإنسان لابد من يوم تدخل هذا القبر الموحش، فهل فكرت في بيتك الجديد وأعددت لغدك؟
أيها الإخوة من لم يستفد من ضياء معرفة الله ونور العرفان في حياته ولم يتبدل إيمانه إلى حقيقة في ذاته وملكوته كيف لا تؤثر عليه أهوال الموت؟! نحن نرى أن هذا الإنسان الضعيف حينما يعتل في حياته الدنيا وترتفع حرارة بدنه تراه يهذي ويهجر ويفقد خلفياته، فكيف به حينما يسأل من ربك لا يعرف كيف يتكلم ويجيب؟
عجبا لهذا الإنسان الذي كان لسنوات عديدة يقول لا إله إلا الله لكنه اليوم لا يقدر على التكلم !! لماذا؟! لضعف إيمانه وعرفانه.
وأما الاستغفار فآفته الغفلة، ونعوذ بالله من الغفلة فهي أساس كل جرم وذنب ومعصية كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام): « الغفلة مصطاد الشيطان ورأس كل بلية وسبب كل حجاب».
هذا الإنسان الغافل يحارب من؟! يحارب الله عز وجل !! فاحذر أخي من الغفلة لأنها مصيدة الشيطان الذي يجعل الإنسان في غفلة عن ربه وعن نفسه من حيث لا يشعر ويظهر الأمور على غير ما هي عليه فيبرز الباطل في صورة الحق والكذب في هيئة الصدق.
وأما آفة الحقيقة فهي الشهوة، (وكلما ارتفعت المقامات تقوى الآفات) فكل شهوة ذميمة دخلت في ذاتك وضميرك وقلبك بعد دخول الحقيقة فهي آفة كبرى.
و قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من رعى قلبه عن الغفلة ونفسه عن الشهوة وعقله عن الجهل فقد دخل في ديوان المتنبهين».
إلهنا نسألك أن تأخذ بأيدينا ولا تكتبنا في الغافلين المبعدين.


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com